الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

23

تفسير روح البيان

وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ اى يكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم فيقربكم من جنات عزه ويبوئكم في جوار قدسه . عبر عنه بالمحبة بطريق الاستعارة أو المشاكلة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ اى لمن كان يتحبب للنصارى ويتبع عيسى ابن مريم فنزل قوله تعالى قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ اى في جميع الأوامر والنواهي فيدخل في ذلك الطاعة في اتباعه صلى اللّه عليه وسلم دخولا أوليا فَإِنْ تَوَلَّوْا اما من تمام مقول القول فهي صيغة المضارع المخاطب بحذف احدى التاءين اى تتولوا وتعرضوا واما كلام متفرع مسوق من جهته تعالى فهي صيغة الماضي الغائب وفي ترك ذكر احتمال الإطاعة كما في قوله تعالى فَإِنْ أَسْلَمُوا تلويح إلى أنه غير محتمل عنهم فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ نفى المحبة كناية عن بغضه تعالى لهم وسخطه عليهم اى لا يرضى عنهم ولا يثنى عليهم . ودلت الآية على شرف النبي عليه السلام فإنه جعل متابعته متابعة حبيبه وقارن طاعته بطاعته فمن ادعى محبة اللّه وخالف سنة نبيه فهو كذاب بنص كتاب اللّه تعالى كما قيل تعصى الإله وأنت تظهر حبه * هذا محال في الفعال بديع لو كان حبك صادقا لا طعته * ان المحب لمن يحب مطيع وانما كان من ادعى محبة اللّه وخالف سنة رسوله كاذبا في دعواه لان من أحب آخر يحب خواصه والمتصلين به من عبيده وغلمانه وبيته وبنيانه ومحله ومكانه وجداره وكلبه وحماره وغير ذلك فهذا هو قانون العشق وقاعدة المحبة وإلى هذا المعنى أشار المجنون العامري حيث قال امر على الديار ديار ليلى * اقبل ذا الجدار وذا الجدار وما حب الديار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا قال الامام القشيري رحمه اللّه قطع اللّه أطماع الكل ان يسلم لأحدهم نفسه الا ومقتداهم سيد الأولين والآخرين . وقال القاشاني محبة النبي عليه السلام انما تكون بمتابعته وسلوك سبيله قولا وعملا وخلقا وحالا وسيرة وعقيدة ولا تتمشى دعوى المحبة الا بهذا فإنه قطب المحبة ومظهرها وطريقته صلى اللّه عليه وسلم المحبة فمن لم يكن له من طريقته نصيب لم يكن له من المحبة نصيب وإذا تابعه حق المتابعة ناسب باطنه وسره وقلبه ونفسه باطن النبي وسره وقلبه ونفسه وهو مظهر المحبة فلزم بهذه المناسبة ان يكون لهذا التابع قسط من محبة اللّه بقدر نصيبه من المتابعة فيلقى اللّه محبته عليه ويسرى من روح النبي نور تلك المحبة أيضا إلى قلبه اسرع ما يكون إذ لولا محبة اللّه لم يكن محبا له ثم نزل عن هذا المقام لأنه أعز من الكبريت الأحمر ودعاهم إلى ما هو أعم من مقام المحبة وهو مقام الإرادة فقال قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ اى ان لم تكونوا محبين ولم تستطيعوا متابعة حبيبي فلا أقل من أن تكونوا مريدين مطيعين لما أمرتم به فان المريد يلزمه طاعة المراد وامتثال امره فَإِنْ تَوَلَّوْا اى ان اعرضوا عن ذلك أيضا فهم كفار محجوبون انتهى . وروى البخاري عن عبد اللّه بن هشام انه كأنه مع النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر رضى عنه فقال عمر يا رسول اللّه أنت أحب إلى من كل شئ الا نفسي